حسن ابراهيم حسن

506

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وقد حافظت الروح الأدبية في هذا العهد على ما كانت عليه في الجاهلية ، فلم يتعد الأدب دائرة الشعر تقريبا ، إذ أصبح بمثل بعض مظاهر السلطة . وقد ظن بعض المستشرقين أن الدين قلل من أهمية الشعر حتى لا يطغى على القرآن . وهذا الزعم لا أساس له ، لأن القرآن ليس من الشعر في شئ ، ولا يصح أن يكون نموذجا له . ولو أن القرآن الكريم قد غض من شأن بعض الشعراء ، فلأنهم كانوا من أعداء الإصلاح ومن دعاة الفوضى . قال تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ؟ ( سورة الشعراء 24 : 225 - 226 ) . على أن الشعر قد أعلى من قدر هؤلاء الذين قاموا بنصرة المبادئ القويمة ودافعوا عنها فأحلهم المحل اللائق بهم من الشرف ، كما شجعهم الرسول وأجزل لهم العطايا ، واعتبر هذا نوعا من الجهاد في سبيل اللّه والانتصار للحق . وأحسن مثل لذلك الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الذي قربه الرسول إليه . وليس أدل على احترام الإسلام للشعر من قوله عليه الصلاة والسلام : « إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة » . وكان شعراء هذا العصر لا يزالون على ما كان عليه من سبقهم في الجاهلية برغم تأثرهم بالقرآن وأسلوبه . فإذا قرأت قصيدة لشاعر من أنصار الدعوة في مدح الرسول أو هجاء المشركين ، أو قصيدة لشاعر من الذين شايعوا قريشا في مدح أحد زعمائها أو رثاء قتلاها ، أو في هجاء المسلمين ، ألفيت هذه القصيدة أو تلك لا تكاد تخرج عما كان يمدح به الشعراء شيوخ القبائل في الجاهلية أو يهجونهم به ، ولو أنه قد كثر فيها الحديث عن الجنة والنار ، والحساب والعذاب ، والبعث والنشور ، وما إلى ذلك من الأمور الدينية التي لم يعن بها العرب الجاهلتون في أشعارهم . ومما هو جدير بالملاحظة أن الشعراء الذين ناهضوا الرسول وقاوموا الدعوة لم يكونوا أقل من الشعراء المسلمين تأثرا بالقرآن وما جاء به من المعالي الدينية . فقد كانوا يقرمون القرآن ويعنون به ، لا لإيمانهم بما فيه ، ولكن للرد على ما جاءهم به ومناقشته في تلك المبادئ الجديدة التي جاء بها .